صديق الحسيني القنوجي البخاري
592
فتح البيان في مقاصد القرآن
إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ الابتلاء والبلاء الاختبار والمعنى إن هذا هو الاختبار الظاهر حيث اختبره اللّه في طاعته بذبح ابنه وقيل : إن هذا لهو النعمة الظاهرة حيث سلم اللّه ولده من الذبح وفداه بالكبش . يقال : أبلاه اللّه إبلاء وبلاء إذا أنعم عليه والأول أولى وإن كان الابتلاء يستعمل في الاختبار بالخير والشر ومنه : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [ الأنبياء : 35 ] ولكن المناسب للمقام المعنى الأول قال أبو زيد : هذا في البلاء الذي نزل به في أن يذبح ولده ، قال : وهذا من البلاء المكروه . [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 107 إلى 117 ] وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ( 107 ) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ ( 108 ) سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ ( 109 ) كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 110 ) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ( 111 ) وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ( 112 ) وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ ( 113 ) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَهارُونَ ( 114 ) وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ( 115 ) وَنَصَرْناهُمْ فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ ( 116 ) وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ ( 117 ) وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ الذبح اسم المذبوح ، وجمعه ذبوح كالطحن اسم للمطحون ، وبالفتح المصدر ، ومعنى عظيم عظيم القدر ، ولم يرد عظيم الجثة وإنما عظم قدره لأنه فدى به الذبيح أو لأنه متقبل ، قال النحاس : العظيم في اللغة يكون للكبير وللشريف ، وأهل التفسير على أنه ههنا للشريف ، أي المتقبل ، قال الواحدي : قال أكثر المفسرين ومنهم ابن عباس : « أنزل عليه كبش قد رعى في الجنة أربعين خريفا » ، وقال الحسن ما فدي إلا بتيس من الأروى أهبط عليه من ثبير فذبحه إبراهيم فداء عن ابنه ، قال الزجاج : قد قيل إنه فدي بوعل والوعل التيس الجبلي ، ومعنى الآية جعلنا الذبح فداء له وخلصناه به من الذبح ، قال ابن عباس : بكبش عظيم متقبل ، قيل : قد بقي قرناه معلقين على الكعبة إلى أن احترق البيت في زمن ابن الزبير ، قال الشعبي : رأيت قرني الكبش منوطين بالكعبة . وقال ابن عباس : والذي نفسي بيده لقد كان أول الإسلام وإن رأس الكبش لمعلق بقرنيه في ميزاب الكعبة وقد يبس . انتهى . ومن المعلوم المقرر أن كل ما هو من الجنة لا تؤثر فيه النار فلم يطبخ لحم الكبش بل أكلته السباع والطيور تأمل . قال أبو السعود : لما ذبحه السيد إبراهيم قال جبريل : اللّه أكبر اللّه أكبر اللّه أكبر فقال الذبيح : لا إله إلا اللّه واللّه أكبر ، فقال إبراهيم : اللّه أكبر وللّه الحمد ، فبقي هذا سنة انتهى . عن ابن عباس : « أن رجلا قال : نذرت لأذبح نفسي فقال ابن عباس : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [ الأحزاب : 21 ] ثم تلا : وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ فأمره بكبش فذبحه » وقد استشهد أبو حنيفة بهذه الآية فيمن نذر بذبح ولده أنه يلزمه ذبح شاة .